
بين مطريقة الحقيقة وسنديان
# بين مطرقة الحقيقة وسندان الانتهاكات: الحماية القانونية للإعلاميين في ظل القانون الدولي الإنساني
**بقلم: المحامية لوريس نصر السليمان**
لم تعد مهنة الصحافة مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو توثيق الوقائع بل أضحت في كثير من مناطق العالم خط مواجهة متقدماً يدفع فيه الإعلاميون أثماناً باهظة مقابل تمسكهم بالحقيقة ونقلهم للوقائع كما هي. ففي قلب النزاعات المسلحة والأزمات السياسية يتحول الصحفي من شاهد على الانتهاكات إلى ضحية لها ويتحول القلم والكاميرا إلى هدف مباشر يتعرض للملاحقة والاعتقال والاستهداف.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة المركز القانوني للإعلاميين في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان بوصف حماية الصحفيين ضمانة أساسية لحماية الحقيقة ذاتها.
## الإعلاميون في القانون الدولي الإنساني: مدنيون لا أهداف عسكرية
أرسى القانون الدولي الإنساني قاعدة قانونية واضحة مفادها أن الصحفيين الذين يؤدون مهام مهنية خطرة في مناطق النزاع يُعدون أشخاصاً مدنيين ويتمتعون بالحماية المقررة للمدنيين طالما لم يشاركوا بصورة مباشرة في الأعمال العدائية وهو ما نصت عليه المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977. [1]
ولم يكتف المشرع الدولي بذلك بل منح المراسلين الحربيين المرافقين للقوات المسلحة وضعاً قانونياً خاصاً بموجب المادة (4/أ/4) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 بحيث يحق لهم التمتع بصفة أسرى حرب عند وقوعهم في الأسر بما يضمن لهم جملة من الحقوق والضمانات الإنسانية والقانونية. [2]
وعليه فإن الأصل القانوني الذي يحكم وضع الصحفي أثناء النزاعات المسلحة هو الحماية لا الاستهداف والحياد المدني لا التصنيف العسكري.
## حرية الصحافة والضمانات الدولية ضد الاعتقال التعسفي
تشكل حرية التعبير حجر الأساس في المجتمعات الديمقراطية وقد كفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته التاسعة عشرة التي أكدت حق كل إنسان في اعتناق الآراء دون مضايقة وفي نقل المعلومات والأفكار وتلقيها بمختلف الوسائل ودون اعتبار للحدود. [3]
كما أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم (34) أن حرية الرأي والتعبير تعد من الدعائم الأساسية للشفافية والمساءلة وحماية حقوق الإنسان وأن المساس بها يقوض أسس المجتمع الديمقراطي ذاته. [4]
ومن هذا المنطلق فإن توقيف الصحفي بسبب عمله المهني أو بسبب آرائه المنشورة يمثل خروجاً على الضمانات الدولية ولا سيما إذا جرى دون سند قانوني أو دون رقابة قضائية مستقلة وهو ما يتعارض مع أحكام المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحظر الاعتقال التعسفي. [3]
## سرية المصادر: حماية للصحفي وحق للمجتمع
لم تعد سرية المصادر الصحفية مجرد ميزة مهنية بل أصبحت جزءاً من منظومة الحق في المعرفة. فإجبار الصحفي على كشف مصادره تحت الضغط أو التهديد أو الاحتجاز لا يمس الصحفي وحده وإنما يقوض ثقة المجتمع بالإعلام المستقل ويحد من قدرة الصحافة على كشف الفساد والانتهاكات.
ولهذا تنظر الهيئات الحقوقية الدولية إلى سرية المصادر باعتبارها امتداداً مباشراً لحرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات وهي حقوق محمية بموجب المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. [3]
## استهداف الإعلاميين: جريمة حرب لا مجرد انتهاك
إن أخطر ما يواجه الإعلاميين في مناطق النزاع ليس الاعتقال فحسب بل الاستهداف المباشر والمتعمد أثناء أداء واجبهم المهني.
فبما أن الصحفي يتمتع بالصفة المدنية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني فإن توجيه هجمات متعمدة ضده أو ضد الفرق الإعلامية العاملة في الميدان يشكل انتهاكاً جسيماً لاتفاقيات جنيف وقد يرتقي إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عندما يكون الهجوم موجهاً ضد أشخاص مدنيين أو أعيان مدنية. [5]
كما شدد مجلس الأمن الدولي في قراره رقم (2222) لعام 2015 على ضرورة احترام الإعلاميين والعاملين في وسائل الإعلام خلال النزاعات المسلحة وحمايتهم من أعمال العنف والترهيب والاستهداف المتعمد. [6]
## حماية المؤسسات الإعلامية
تمتد الحماية القانونية لتشمل المؤسسات الإعلامية والمكاتب الصحفية ومحطات البث باعتبارها أعياناً مدنية لا يجوز استهدافها أو تدميرها أو تعطيل عملها إلا إذا فقدت طبيعتها المدنية نتيجة استخدامها المباشر في أغراض عسكرية وهي قاعدة راسخة في القانون الدولي الإنساني ومبدأ التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية. [1]
## بين النص والتطبيق: معضلة الإفلات من العقاب
ورغم وضوح المنظومة القانونية الدولية فإن الواقع يشير إلى اتساع الفجوة بين النصوص والإنفاذ. فما زالت جرائم قتل الصحفيين واعتقالهم واختفائهم القسري تمر في كثير من الأحيان دون تحقيق جاد أو ملاحقة فعالة للمسؤولين عنها.
وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية وإلى مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية الخاصة بحرية الصحافة بما يضمن إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب وتحويل الحماية القانونية من نصوص مكتوبة إلى ضمانات فعلية على أرض الواقع. [5] [6]
## خاتمة
إن حماية الإعلاميين ليست دفاعاً عن مهنة بل دفاع عن الحقيقة ذاتها. فكل صحفي يُستهدف بسبب عمله هو نافذة تُغلق في وجه المعرفة وكل قلم يُكسر ظلماً هو خسارة للعدالة قبل أن يكون خسارة للإعلام.
وعندما يفقد الصحفي أمنه وحريته تفقد المجتمعات إحدى أهم أدواتها في كشف الانتهاكات ومراقبة السلطة وصون الحقوق. لذلك فإن حماية الإعلاميين ليست مسألة تضامن مهني فحسب بل التزام قانوني وأخلاقي دولي يهدف إلى حماية الحقيقة باعتبارها الركيزة التي تقوم عليها العدالة وكرامة الإنسان وسيادة القانون.
—
## الهوامش والمراجع
**[1]** البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977 المادة (79) الخاصة بحماية الصحفيين في مناطق النزاعات المسلحة.
**[2]** اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 المادة (4/أ/4) المتعلقة بالمراسلين الحربيين المرافقين للقوات المسلحة.
**[3]** العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ولا سيما المواد (9) و(19).
**[4]** اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة التعليق العام رقم (34) بشأن حرية الرأي والتعبير لعام 2011.
**[5]** نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 ولا سيما المادة (8) المتعلقة بجرائم الحرب.
**[6]** قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2222) لعام 2015 بشأن حماية الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام أثناء النزاعات المسلحة.
**[7]** اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) الدليل التفسيري والقواعد العرفية المتعلقة بحماية الصحفيين في النزاعات المسلحة.

