الصحفي مهند النجار برعاية الله

المرصد الدولي لحرية الصحافة (IPFO)
تقرير خاص
التاريخ: 29 آذار/مارس 2025
محاولة اغتيال الناشط السوري مهند نجار في ألمانيا.. حين تتحول الكلمة إلى هدف
يتابع المرصد الدولي لحرية الصحافة بقلق بالغ حادثة الاعتداء الخطير التي تعرض لها الناشط السوري مهند نجار في ألمانيا، والتي تشير المعطيات الأولية إلى أنها لم تكن مجرد واقعة عنف عابرة بل محاولة اغتيال استهدفت إنساناً بسبب مواقفه وآرائه السياسية.
وتعيد هذه الحادثة إلى الواجهة حقيقة مؤلمة مفادها أن التهديد الذي يلاحق أصحاب الرأي لا يتوقف دائماً عند حدود البلدان التي غادروها بل قد يمتد إلى الأماكن التي اختاروها ملاذاً آمناً بحثاً عن الحرية والحياة الكريمة. فعندما يصبح التعبير عن الرأي سبباً لاستهداف الإنسان في جسده وحياته، فإن القضية تتجاوز الفرد لتطال القيم الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية.
تفاصيل الحادثة
بحسب المعلومات التي حصل عليها المرصد من مصادر مقربة من الناشط السوري مهند نجار فقد تعرض الأخير لاعتداء بواسطة أداة حادة استهدفت منطقة الرقبة أثناء وجوده في مدينة دورتموند الألمانية.
وأفادت المعلومات الطبية المتداولة بأن الإصابة وقعت على مقربة شديدة من أحد الشرايين الحيوية الرئيسية، بفارق يقل عن سنتيمترين فقط، وهو ما جعل حياته في دائرة الخطر المباشر. كما تم توثيق الحادثة ضمن الإجراءات الطبية والقانونية المعتمدة فيما باشرت السلطات الألمانية المختصة تحقيقاتها للكشف عن ملابسات الجريمة ودوافعها والأطراف المحتمل تورطها فيها.
ورغم قسوة التفاصيل، تبقى الصورة الإنسانية هي الأشد وقعاً؛ فخلف الأرقام والتقارير الطبية يقف إنسان وجد نفسه فجأة بين الحياة والموت، ليس بسبب حادث عارض أو كارثة طبيعية، بل بسبب موقف ورأي اختار أن يعلنه أمام الناس.
بيئة من التحريض سبقت الجريمة
تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الاعتداء لم يأت من فراغ، بل سبقه مناخ من التحريض والاستهداف اللفظي عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فقد تعرض مهند نجار إلى جانب عدد من الناشطين السوريين المؤيدين للثورة السورية، لحملات إساءة وتحريض متكررة، ولا سيما عبر البثوث المباشرة على تطبيق “تيك توك”، حيث جرى تداول خطابات تضمنت تهجماً مباشراً عليه وعلى عدد من الناشطين الآخرين.
وبحسب المعلومات المتاحة، تم تسليم مواد مصورة ووثائق ذات صلة إلى السلطات الألمانية المختصة للتحقق من محتواها ودراسة ما إذا كانت تتضمن أفعالاً أو دعوات يمكن أن تندرج ضمن التحريض على العنف أو التشجيع عليه.
إن أخطر ما في هذه القضية ليس السلاح الذي استُخدم في الاعتداء فحسب، بل البيئة التي قد تهيئ لمثل هذه الأفعال. فالكراهية تبدأ غالباً بكلمات، ثم تتحول تدريجياً إلى تهديد، وقد تنتهي بجريمة يدفع ثمنها إنسان لم يفعل سوى التعبير عن رأيه.
استهداف متكرر لأصحاب الرأي
يُعرف مهند نجار بنشاطه الإعلامي وحضوره على منصات التواصل الاجتماعي وبمواقفه المؤيدة للثورة السورية وهو ما جعله خلال السنوات الماضية عرضة لحملات استهداف وانتقاد وتحريض من قبل بعض الجهات والأشخاص الذين يعارضون توجهاته السياسية.
ويرى متابعون للشأن السوري أن استمرار خطاب الكراهية والتحريض ضد الناشطين والصحفيين يشكل تهديداً متزايداً لأمنهم وسلامتهم خصوصاً في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وسهولة استخدامها في نشر المعلومات المضللة أو التحريضية دون ضوابط أخلاقية أو قانونية كافية.
ضرورة المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب
يرحب المرصد الدولي لحرية الصحافة ببدء التحقيقات الرسمية من قبل السلطات الألمانية، ويؤكد أن تحقيق العدالة يتطلب الوصول إلى الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في هذه الجريمة، سواء كان منفذاً مباشراً أو محرضاً أو مساهماً في التخطيط أو التشجيع عليها.
إن حماية حرية الرأي والتعبير لا تتحقق فقط بعد وقوع الانتهاكات، بل تبدأ بمنع الظروف التي تسمح بحدوثها ومواجهة خطاب الكراهية والعنف والتطرف بكل الوسائل القانونية المتاحة حفاظاً على أمن الأفراد وعلى القيم الديمقراطية التي تكفل حق الجميع في التعبير السلمي عن آرائهم.
موقف المرصد الدولي لحرية الصحافة
يدين المرصد الدولي لحرية الصحافة بأشد العبارات محاولة الاغتيال التي استهدفت الناشط السوري مهند نجار، ويعتبر أن أي اعتداء على صحفي أو ناشط بسبب آرائه أو مواقفه يمثل انتهاكاً خطيراً للحقوق والحريات الأساسية التي كفلتها المواثيق والمعاهدات الدولية.
كما يدعو المرصد السلطات الألمانية إلى:
• الإسراع في استكمال التحقيقات وكشف جميع ملابسات القضية.
• ملاحقة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تنفيذ الجريمة أو التحريض عليها أو التمهيد لها.
• توفير الحماية اللازمة للناشطين والصحفيين الذين يواجهون تهديدات مرتبطة بعملهم أو آرائهم.
• التعامل بجدية مع المحتوى التحريضي وخطابات الكراهية التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
كما يدعو المرصد المنظمات الدولية والمؤسسات الحقوقية إلى متابعة القضية عن كثب، والتأكيد أن حماية الناشطين والصحفيين في المنفى جزء لا يتجزأ من حماية حرية التعبير في العالم.
التزام مهني بالحقيقة
وفي إطار التزامه برسالته المهنية والحقوقية يؤكد المرصد الدولي لحرية الصحافة أن هذا التقرير أُعد وفق معايير التحقق والتدقيق المعتمدة في العمل الإعلامي والحقوقي.
وقد استندت المعلومات الواردة فيه إلى إفادات ومعلومات حصل عليها المرصد من مصادر ذات صلة مباشرة بالقضية إضافة إلى مراجعة المعطيات الطبية المتاحة والمواد الإعلامية المتداولة حول الحادثة مع السعي إلى مقارنة المعلومات والتحقق منها كلما أمكن ذلك من أكثر من مصدر مستقل.
ويشدد المرصد على أن ما ورد في هذا التقرير يعكس المعطيات المتوافرة حتى تاريخ نشره مع الاحترام الكامل لسير التحقيقات الرسمية الجارية لدى السلطات الألمانية.
ونضع هذه الحقائق بين أيديكم بمسؤولية وأمانة تاركين للعدالة الألمانية كلمتها الفصل، ومؤكدين في الوقت ذاته أن صمت الضمير الإنساني ليس خياراً. كما يحتفظ المرصد بحقه في تحديث أو استكمال هذا التقرير عند ظهور معلومات جديدة موثقة يمكن التحقق منها مهنياً.
وفي هذا السياق اقول كلمتي انا رئيس مجلس الأمناء الأستاذ محمد ضياء الدين بديوي: «إن ما جرى لمهند ليس طعنة في جسده فقط بل طعنة في جسد كل إنسان حر يؤمن بأن الكلمة حق وأن الحياة لا تستقيم دون كرامة».
كلمة أخيرة
ما تعرض له مهند نجار ليس مجرد حادث فردي يمكن المرور عليه كخبر عابر، بل هو تذكير مؤلم بأن الكلمة ما زالت تدفع ثمناً باهظاً في أماكن كثيرة من العالم.
إن المجتمعات التي تحترم الإنسان لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية من يتفقون معها، بل بقدرتها أيضاً على حماية المختلفين معها، وضمان حقهم في التعبير عن آرائهم دون خوف أو تهديد أو عنف.
ويبقى الاختبار الحقيقي اليوم في قدرة العدالة على الوصول إلى الحقيقة كاملة، وفي قدرة المجتمع الدولي على إثبات أن حرية الرأي ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل مبدأ يُدافع عنه عندما يتعرض أصحابه للخطر.
المرصد الدولي لحرية الصحافة (IPFO)
رئيس مجلس الأمناء
محمد ضياء الدين بديوي
“حماية الصحفيين والناشطين ليست مجرد مسؤولية قانونية بل واجب أخلاقي وإنساني يحفظ كرامة الإنسان وحقه في أن يرفع صوته دون خوف.

