لحرية تستعيد صوتها في سوريا

الحرية تستعيد صوتها في سوريا
تقرير خاص للمرصد الدولي لحرية الصحافة (IPFM) حول واقع الحريات الصحفية في العالم العربي وآفاق المرحلة الجديدة في سوريا
رئيس مجلس الأمناء محمد ضياء الدين بديوي
يتابع المرصد الدولي لحرية الصحافة باهتمام بالغ التطورات المتصلة بواقع الإعلام والحريات الصحفية في العالم العربي وفي مقدمتها أعمال اللجنة الدائمة للحريات التابعة لاتحاد الصحفيين العرب التي انعقدت في العاصمة السورية دمشق، في حدث يعكس أهمية الحوار المهني العربي حول مستقبل الصحافة والتحديات التي تواجهها في مرحلة تتسم بتحولات سياسية وإعلامية متسارعة.
ويأتي هذا الاجتماع في وقت لا تزال فيه حرية الصحافة تواجه ضغوطاً مركبة في العديد من الدول العربية تتداخل فيها العوامل السياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية ما يجعل حماية الإعلام المستقل والدفاع عن حق الوصول إلى المعلومات مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المؤسسات الصحفية إلى صلب منظومة الحقوق والحريات العامة.
وفي الوقت ذاته، تبرز سوريا اليوم بوصفها نموذجاً لتحول عميق في المشهد الإعلامي بعد سقوط النظام البائد، حيث بدأت تتشكل ملامح مرحلة جديدة يتطلع فيها الصحفيون والإعلاميون إلى فضاء أوسع من الحرية والانفتاح، بعيداً عن عقود من الرقابة المشددة والخوف والإقصاء.
دمشق تستضيف حدثاً عربياً مهماً في مناخ جديد
يُشيد المرصد الدولي لحرية الصحافة بالنجاح الذي حققته أعمال اللجنة الدائمة للحريات في دمشق، وما حملته من رسائل تعكس أهمية استعادة دور المؤسسات المهنية العربية في الدفاع عن الصحفيين وتعزيز قيم حرية الرأي والتعبير.
لقد جسد هذا الحدث صورة مختلفة لسوريا الجديدة سوريا التي تسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون والانفتاح والحوار، وتفتح أبوابها أمام النقاشات المهنية والفكرية التي كانت لسنوات طويلة محاصرة بقيود سياسية وأمنية قاسية.
وتمثل استضافة دمشق لهذا اللقاء مؤشراً مهماً على عودة الحضور الإعلامي العربي إلى العاصمة السورية وعلى الرغبة في بناء بيئة مهنية أكثر انفتاحاً تسمح للصحفيين بتبادل الخبرات ومناقشة التحديات التي تواجه مستقبل المهنة في المنطقة.
التراجع المستمر للحريات الصحفية في العالم العربي
وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الأخيرة، فإن المشهد العربي العام لا يزال يواجه تحديات جدية تستدعي الوقوف عندها بقدر كبير من المسؤولية.
ففي العديد من الدول العربية ما تزال التشريعات المقيدة للحريات تشكل عبئاً ثقيلاً على العمل الإعلامي، حيث تُستخدم بعض القوانين ذات الطابع الفضفاض ذريعة لتقييد حرية التعبير وملاحقة الصحفيين بسبب آرائهم أو موادهم المنشورة.
كما تعاني مؤسسات إعلامية عربية كثيرة من أزمات اقتصادية حادة انعكست على قدرتها على الاستمرار، وأضعفت استقلاليتها المهنية وأوجدت بيئة تجعلها أكثر عرضة للتأثيرات السياسية والمالية وهو ما يهدد التعددية الإعلامية ويقوض دور الصحافة الحرة بوصفها سلطة رقابية مستقلة.
الصحفيون… حراس الحقيقة وصناع الوعي
يرى المرصد أن الحديث عن حرية الصحافة لا يكتمل دون التوقف عند الدور التاريخي الذي يضطلع به الصحفيون والإعلاميون في خدمة مجتمعاتهم.
فالصحفي ليس مجرد ناقل للأخبار بل هو شاهد على الوقائع ومدافع عن حق الناس في المعرفة، وجسر يربط بين المؤسسات والمجتمع.
ومن خلال عمله اليومي يسهم في كشف الانتهاكات ومكافحة الفساد وتوثيق الأحداث وحماية الذاكرة الوطنية للشعوب.
لقد أثبت الصحفيون السوريون والعرب خلال السنوات الماضية قدرة استثنائية على الصمود في مواجهة المخاطر والتحديات، واستمروا في أداء رسالتهم رغم الاعتقالات والتهديدات والاستهداف والتضييق. وبفضل شجاعتهم وتضحياتهم بقيت الحقيقة حاضرة، وبقيت قضايا الناس تجد من يحملها إلى الرأي العام.
واليوم، ومع اتساع هامش الحرية في سوريا تتعاظم مسؤولية الصحفيين في تكريس الإعلام المهني المسؤول الذي يوازن بين حرية التعبير واحترام المعايير المهنية والأخلاقية ويكون شريكاً في بناء الدولة الحديثة القائمة على الشفافية وسيادة القانون.
تحديات المهنة بين الميدان والفضاء الرقمي
ورغم التطورات الإيجابية في بعض البيئات الإعلامية لا تزال الصحافة العربية تواجه تحديات معقدة في الميدان وفي العالم الرقمي على حد سواء.
فغياب التشريعات الضامنة لحق الوصول إلى المعلومات يحد من قدرة الصحفيين على إنجاز أعمالهم بصورة احترافية، ويزيد من مساحة الغموض التي تتغذى منها الشائعات والمعلومات المضللة.
وفي مناطق النزاعات والأزمات ما يزال الصحفيون يتعرضون لأشكال مختلفة من الاستهداف الجسدي والاعتقال التعسفي والترهيب، الأمر الذي يشكل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية الخاصة بحماية العاملين في المجال الإعلامي.
أما على المستوى الرقمي، فقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة لحملات التضليل والبروباغندا والتشهير المنظم، وأصبح كثير من الصحفيين والصحفيات هدفاً لهجمات إلكترونية وحملات اغتيال معنوي تهدف إلى إسكات أصواتهم والنيل من مصداقيتهم.
سوريا الجديدة وفرصة بناء إعلام حر
يؤكد المرصد أن التحولات التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام البائد تفتح نافذة تاريخية لإرساء بيئة إعلامية حديثة تقوم على احترام التعددية وحرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات.
وقد بدأت ملامح هذه المرحلة بالظهور من خلال ارتفاع سقف النقاش العام، واتساع مساحة العمل الإعلامي وقدرة الصحفيين على تناول القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية بقدر أكبر من الحرية مقارنة بما كان سائداً خلال العقود الماضية.
غير أن ترسيخ هذه المكتسبات يتطلب استكمال عملية الإصلاح القانوني والمؤسسي، وتوفير الضمانات الكفيلة بحماية الصحفيين واستقلال المؤسسات الإعلامية ومنع عودة أي ممارسات من شأنها تقييد الحريات أو إعادة إنتاج منظومات الرقابة السابقة.
توصيات المرصد الدولي لحرية الصحافة
انطلاقاً من مسؤوليته المهنية والحقوقية يدعو المرصد إلى:
– توفير الحماية الكاملة للصحفيين والإعلاميين، ولا سيما العاملين في مناطق النزاعات والتوترات.
– اعتبار استهداف الصحفيين انتهاكاً جسيماً يستوجب الملاحقة والمحاسبة وفق المعايير القانونية الدولية.
– إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والرأي والتعبير.
– إقرار تشريعات حديثة تضمن حق الوصول إلى المعلومات وتعزز الشفافية.
– دعم استقلالية المؤسسات الإعلامية اقتصادياً بما يحصنها من الضغوط السياسية والمالية.
– تعزيز برامج التدريب والتأهيل المهني لمواجهة تحديات العصر الرقمي والتصدي لخطابات التضليل والكراهية.
– ترسيخ ثقافة احترام حرية الصحافة بوصفها ركناً أساسياً من أركان الدولة الديمقراطية الحديثة.
إن نجاح اجتماع اللجنة الدائمة للحريات في دمشق لا يمثل مجرد فعالية مهنية عابرة، بل يشكل دلالة رمزية على مرحلة جديدة تتطلع إليها المنطقة، مرحلة يكون فيها الصحفي شريكاً في صناعة المستقبل لا ضحية للصراعات والقيود.
ويؤمن المرصد الدولي لحرية الصحافة أن الكلمة الحرة كانت وستبقى خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان وحقوقه وأن المجتمعات التي تحمي صحافييها وتحترم حقهم في العمل بحرية هي المجتمعات الأقدر على بناء مستقبل أكثر عدالة واستقراراً وازدهاراً.
*رئيس مجلس الأمناء*
*محمد ضياء الدين بديوي*
*المرصد الدولي لحرية الصحافة (IPFM)*

