
بين متطلبات الأمن القومي وحرية الصحافة
بين متطلبات الأمن القومي وحرية الصحافة: قراءة حقوقية في عدد من القضايا المرتبطة بالصحفيين العاملين على الملفات الروسية والأمنية
مقدمة
رصد المرصد الدولي لحرية الصحافة خلال عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦.عدداً من القضايا التي أثارت اهتماماً واسعاً لدى المنظمات المعنية بحرية الإعلام وحقوق الإنسان ولا سيما القضايا المتعلقة بالصحفيين العاملين في تغطية ملفات الأمن القومي والعلاقات الدولية.
وتشير المعلومات والتقارير المنشورة من قبل مؤسسات إعلامية وحقوقية دولية إلى استمرار الجدل حول الحدود الفاصلة بين متطلبات الأمن الوطني من جهةوحق الصحفيين في ممارسة عملهم المهني والوصول إلى المعلومات ذات المصلحة العامة من جهة أخرى.
ويهدف هذا التقرير إلى استعراض عدد من الوقائع التي حظيت بتغطية دولية واسعة من منظور حرية الصحافة وحقوق الإعلاميين استناداً إلى مصادر منشورة ومتاحة للجمهور.
أولاً: قضية إيفان غيرشكوفيتش وتداعياتها على بيئة العمل الصحفي
في سبتمبر/أيلول ٢٠٢٦ صدر كتاب للصحفي الأمريكي إيفان غيرشكوفيتش بعنوان “هذه الأرض الجميلة الملعونة” عن دار نشر “كراون” وهي علامة تابعة لدار “بنغوين راندوم هاوس”. يستعرض الكتاب تجربته الشخصية خلال فترة احتجازه في روسيا حيث اعتُقل في مارس/آذار ٢٠٢٣ أثناء عمله الصحفي في مدينة يكاترينبورغ ثم احتُجز في سجن ليفورتوفو الشهير في موسكو لمدة ستة عشر شهراً.قبل الإفراج عنه في أغسطس/آب ٢٠٢٤ ضمن عملية تبادل سجناء متعددة الأطراف. ويتناول الكتاب وفقاً لبيانات الناشر تفاصيل اعتقاله والظروف التي أحاطت به مع وصف دقيق لنظام السجون الروسي وتقاليده.
وقد أثارت القضية نقاشاً واسعاً بشأن أوضاع الصحفيين الذين يعملون على ملفات ترتبط بالشؤون العسكرية والأمنية في البيئات السياسية شديدة الحساسية.
وفي سياق متصل أفادت تقارير صحفية بأن محكمة باسماني في موسكو أصدرت، في ٣٠ مارس/آذار ٢٠٢٦، حكماً غيابياً بالسجن أربع سنوات بحق الصحفي والباحث الروسي أندريه سولداتوف وهو خبير في أجهزة الأمن الروسية يعيش في لندن.
وقد صدر الحكم على خلفية إدانته بمخالفة قانون “العملاء الأجانب” والمشاركة في أنشطة منظمة “غير مرغوب فيها”مع فرض حظر عليه من إدارة المواقع الإلكترونية أو الانخراط في أي نشاط عبر الإنترنت لمدة أربع سنوات.
ويرى مراقبون ومنظمات معنية بحرية الإعلام أن مثل هذه القضايا تستحق المتابعة من زاوية تأثيرها المحتمل على قدرة الصحفيين والباحثين على ممارسة عملهم المهني بحرية واستقلالية.
ثانياً: قضية سابولتش بانيي ومخاوف المنظمات الدولية بشأن حرية الصحافة
في أواخر مارس/آذار ٢٠٢٦ برزت قضية الصحفي الاستقصائي المجري سابولتش بانيي المعروف بعمله على ملفات الأمن القومي والعلاقات المجرية الروسية والذي يعمل لصالح منصتي “ديركت٣٦” و”في سكوير”.
وبحسب ما نشرته لجنة حماية الصحفيين في بيان صدر في ١ أبريل/نيسان ٢٠٢٦ أعلنت الحكومة المجرية رسمياً توجيه اتهامات جنائية ضد بانيي بالتعاون مع دولة أجنبية على خلفية تحقيقاته الصحفية التي تناولت تسريب وزير الخارجية المجري معلومات حساسة نوقشت في قمم الاتحاد الأوروبي إلى نظيره الروسي.
ونفى الصحفي الاتهامات الموجهة إليه بالكامل مؤكداً تمسكه بعمله الصحفي وتعهده بحماية مصادره.
وأشارت لجنة حماية الصحفيين إلى أن هذه القضية تمثل تصعيداً خطيراً في حملة الدولة على الإعلام المستقل داعية السلطات المجرية إلى إسقاط جميع الاتهامات فوراً وضمان قدرة الصحفيين على تغطية قضايا الأمن القومي دون ترهيب أو تهديد بالسجن.
من جانبها أعربت هيومن رايتس ووتش في بيان نشرته على منصة إكس في ٢٨ مارس/آذار ٢٠٢٦، عن مخاوفها من أن قرار المجر فتح تحقيق مع بانيي على خلفية اتهامات تجسس “مشكوك فيها” يمثل تصعيداً خطيراً في قمع الدولة للإعلام المستقل.
كما أشارت منصة حماية الصحافة وسلامة الصحفيين التابعة لمجلس أوروبا إلى أن الصحفي نفى الاتهامات الموجهة إليه.
ومن جهته اعتبر الاتحاد الأوروبي للصحفيين في بيان صدر في ٢٧ مارس/آذار ٢٠٢٦ أن الاتهامات ذات طبيعة سياسية وتمثل خطوة خطيرة أخرى نحو الحكم الاستبدادي في عهد أوربان في سياق الانتخابات التي كانت مقررة في أبريل/نيسان ٢٠٢٦.
وقد انضم الاتحاد الأوروبي للصحفيين إلى المنظمات الموقعة على بيان “الاستجابة السريعة لحرية الإعلام” في التضامن مع بانيي.
الاستنتاجات
لا يهدف هذا التقرير إلى الفصل في صحة الاتهامات أو المزاعم المتبادلة في القضايا المشار إليها إذ إن ذلك يظل من اختصاص الجهات القضائية والقانونية المختصة.
غير أن الوقائع التي جرى رصدها تُظهر استمرار اهتمام المنظمات الدولية المعنية بحرية الإعلام بمتابعة أوضاع الصحفيين العاملين على الملفات المرتبطة بالأمن القومي والعلاقات الدولية سواء داخل روسيا أو داخل الدول الأوروبية.
كما تعكس هذه القضايا وجود نقاش مستمر حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن الوطني وحق الصحفيين في ممارسة عملهم المهني ونقل المعلومات ذات الصلة بالشأن العام.
توصيات المرصد
يدعو المرصد الدولي لحرية الصحافة إلى:


١· احترام المعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير وحرية الصحافة.
٢· ضمان تمتع الصحفيين بحقوقهم القانونية كاملة بما في ذلك قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
٣· حماية سرية المصادر الصحفية وفق المبادئ المعترف بها دولياً.
٤· الامتناع عن أي إجراءات قد تؤدي بصورة غير مبررة إلى تقييد العمل الصحفي المشروع.
٥· تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات ذات المصلحة العامة بما ينسجم مع القوانين الوطنية والالتزامات الدولية.
إخلاء مسؤولية
اعتمد هذا التحقيق على مصادر علنية وتقارير صادرة عن مؤسسات إعلامية وحقوقية دولية متاحة للجمهور حتى تاريخ إعداد التقرير.
ولا يتبنى المرصد الاتهامات أو المزاعم الواردة في القضايا المشار إليها إلا بالقدر الذي وردت فيه على لسان مصادرها الأصلية أو ضمن الوثائق والتقارير المنشورة علناً ويعرضها حصراً في إطار الرصد الحقوقي والإعلامي دون الجزم بصحتها أو إصدار أي توصيف قضائي أو قانوني بشأنها.
كما يؤكد المرصد أن تحديد المسؤوليات الجنائية أو القانونية النهائية يظل اختصاصاً حصرياً للجهات القضائية المختصة وفقاً للقوانين والإجراءات النافذة في كل دولة.
المراجع
١· دار بنغوين راندوم هاوس، صفحة كتاب “هذه الأرض الجميلة الملعونة” لإيفان غيرشكوفيتش.
٢· صحيفة موسكو تايمز تقرير بعنوان “خبير استخبارات منفي أندريه سولداتوف يُحكم عليه غيابياً بالسجن أربع سنوات لخرقه قانون العملاء الأجانب”.
٣· لجنة حماية الصحفيين بيان بعنوان “المجر ترفع اتهامات تجسس ضد الصحفي الاستقصائي سابولتش بانيي”.
٤· الاتحاد الأوروبي للصحفيين، بيان بعنوان “المجر: اتهامات تجسس ضد سابولتش بانيي قبل الانتخابات تمثل خطوة خطيرة أخرى نحو حكم أوربان الاستبدادي”.
٥· هيومن رايتس ووتش بيان على منصة إكس.
٦· لجنة حماية الصحفيين تقرير بعنوان “سجل القمع الروسي.




