
حين يصبح الصحفي جاسوسا
حين يصبح الصحفي جاسوسًا: أربع قضايا وحدود ما نعرفه عنها
المرصد الدولي لحرية الصحافة
المرجع: IR-2026-EU-RU
تشرين الأول 2026
—
قبل أن نبدأ
هناك جملة تتكرر في كل قضية من القضايا الأربع: “الصحافة ليست جريمة”. قالها بايدن، وكتبها بوريل، وهتف بها متظاهرون خارج السفارات. لكن الجملة، مهما تكررت، لا تحل سؤالًا أبسط وأصعب: إذا كانت الصحافة ليست جريمة، فلماذا يُعامل الصحفيون كمجرمين؟
هذا التحقيق لا يقدم إجابة نهائية. يقدم أربع حالات، وبعضها لا يزال مفتوحًا، وبعضها الآخر انتهى بشكل لم يكشف كل شيء. وحيث لم أتمكن من التحقق، سأقول ذلك صراحة.
—
أولًا: الرجل الذي خرج بعد 16 شهرًا
في الأول من آب 2024، هبطت طائرة في قاعدة أندروز الجوية قرب واشنطن. كان على متنها إيفان غيرشكوفيتش، مراسل «وول ستريت جورنال»، بعد 16 شهرًا من الاحتجاز في روسيا. لم يقضِ من حكمه الذي بلغ 16 عامًا سوى أسابيع.
الحكم صدر في 19 تموز 2024، بعد محاكمة مغلقة استمرت ثلاثة أيام في يكاترينبورغ. لم يحضرها صحفيون. لم يُنشر نص الاتهام. لم يُعرض أي دليل علني. قالت السلطات الروسية إنه “أُمسك متلبسًا” بجمع معلومات عن مجمع صناعي عسكري. لم يقدموا شيئًا يدعم هذا القول.
قال غيرشكوفيتش لـ«بي بي سي» بعد إطلاق سراحه: “لقد أوقعوني في فخ. لقد دبروا لي هذه القضية ولفقوها حتى أكون رهينة ثمينة – مجرد بيدق في لعبة أكبر.”
هذه ليست لغة رجل يصف إجراءً قانونيًا. هذه لغة رجل يصف عملية خطف منظمة.
ما لا نعرفه
لا نعرف ما جرى في غرفة المحاكمة. لا نعرف ما قاله الشهود، إن وُجدوا. لا نعرف ما إذا كانت هناك وثائق سرية عُرضت على القضاة فقط. لا نعرف كيف تمت صفقة التبادل بالتفصيل، ولا من تنازل عن ماذا. كل ما نعرفه أن غيرشكوفيتش خرج، وأن آخرين ما زالوا في السجون الروسية.
رأيي
ما حدث لغيرشكوفيتش ليس عدالة. إنه مساومة. دولة احتجزت صحفيًا بتهمة لم تثبتها، ثم بادلته بقتلة وعملاء. هذا ليس نظامًا قضائيًا، بل سوقًا للمقايضة. لكنني لا أستطيع أن أقول إن الاتهام كان باطلًا بشكل قاطع، لأنني لم أرَ الملف. أستطيع فقط أن أقول إن من يوجه اتهامًا عليه عبء الإثبات، وروسيا لم تقدمه.
—
ثانيًا: حكم صدر على رجل لم يكن في القاعة
في 30 آذار 2026، أصدرت محكمة روسية حكمًا غيابيًا بالسجن أربع سنوات على أندريه سولداتوف. سولداتوف لم يكن في القاعة. كان في لندن، حيث يقيم منذ سنوات. الحكم لن يُنفذ إلا إذا عاد إلى روسيا أو سُلّم إليها.
هنا يجب أن أتوقف. القانون الروسي يسمح بالمحاكمة الغيابية. هذا ليس استثناءً. لكن السؤال ليس قانونيًا فقط: ما قيمة حكم جنائي يصدر على شخص لم يسمع دفاعه بنفسه؟ القانون الروسي نفسه يعترف بأن هذا الحكم معلق، غير قابل للتنفيذ إلا بشرط. فلماذا يُصدر أصلًا؟
الجواب قد يكون بسيطًا: لأن الغرض ليس السجن. الغرض هو التصنيف. سولداتوف مُصنف “عميل أجنبي” منذ تشرين الثاني 2023. الحكم الجديد يضيف تصنيفًا آخر: مجرم. في روسيا، هذه التصنيفات لا تُسقط. تتبع الشخص حيث يذهب.
قال سولداتوف لـ«إل باييس»: “هذا الحكم محاولة واضحة لإسكاتي. سأستمر في ذلك مهما حدث.”
ما لا نعرفه
لم أتمكن من الوصول إلى نص الحكم. لا أعرف ما إذا كان قد استند إلى وثائق محددة، أم إلى تصنيفات إدارية سابقة. لا أعرف إن كان محاموه قد مثلوه في القاعة أم لا. حاولت التواصل مع محامي سولداتوف في لندن عبر البريد الإلكتروني مرتين. لم يأتِ رد حتى لحظة كتابة هذه السطور.
رأيي
الحكم على سولداتوف لا يبدو لي عقوبة بقدر ما يبدو تحذيرًا. تحذير لكل صحفي روسي في المنفى: يمكنك أن تهرب من روسيا، لكن روسيا لن تهرب منك. القانون هنا ليس أداة عدالة، بل أداة لاحقة تلتصق بالشخص أينما ذهب.
—
ثالثًا: الصحفي الذي لم يُتهم، بل كان هدفًا
في 12 أيار 2025، أصدرت محكمة بريطانية أحكامًا بالسجن على ستة مواطنين بلغاريين. كانوا جزءًا من شبكة تجسس تعمل لصالح روسيا. كان أحد أهدافهم صحفيًا استقصائيًا روسيًا يقيم في لندن: رومان دوبروخوتوف، مؤسس مشارك في موقع The Insider.
لاحظ الفرق. في القضايا السابقة، كان الصحفي هو المتهم. هنا، هو الضحية. لم توجه إليه أي تهمة في بريطانيا. الرجال الستة أدينوا بمراقبته، وتتبع تحركاته في أوروبا بين تشرين الأول 2021 وكانون الأول 2022.
قال فرانك فيرغسون من النيابة العامة البريطانية إن مداهمة منزل أحد المتهمين كشفت “مصنع جواسيس”. وأضاف: “من خلال استهداف أفراد في المملكة المتحدة فارين من الاضطهاد، وكذلك صحفيين يعارضون النظام الروسي، قوّضت المجموعة الرسالة القائلة بأن المملكة المتحدة بلد آمن لهؤلاء الأشخاص.”
قال دوبروخوتوف لـ«بي بي سي»: “أنا محظوظ جدًا لأنني على قيد الحياة. أعتقد أن الاغتيال كان أحد الخيارات التي راجعوها.”
ما لا نعرفه
الوثائق البريطانية تصف ما كان يفعله الجواسيس. لكنها لا تصف لماذا كان دوبروخوتوف تحديدًا هدفًا. هل كان استهدافه مرتبطًا بتحقيقات محددة نشرها؟ لا نعرف. هل كان هناك عملاء آخرون لم يُكشفوا؟ لا نعرف. هل الشبكة كانت جزءًا من عملية أوسع؟ لا نعرف.
رأيي
قضية دوبروخوتوف تقدم تناقضًا مفيدًا: الصحفي هنا ليس المشتبه به، بل الضحية. وهذا يعني أن تهمة التجسس ليست دائمًا موجهة ضد الصحفيين، بل قد تكون موجهة لصالحهم أحيانًا. لكن هذا لا يجعلها أقل خطورة. رجل كان يُراقب لشهور، بينما كان يظن أنه يعمل بحرية في بلد ديمقراطي. هذا ليس فشل قانوني فقط، بل فشل أمني.
—
رابعًا: بلاغات لم تصمد
في 26 آذار 2026، وقف غيرغلي غولياس، رئيس مكتب رئيس الوزراء المجري، ليعلن أن الحكومة قدمت اتهامات جنائية ضد صحفي استقصائي بارز. الاتهام: التجسس لصالح دولة أجنبية. الصحفي هو سابولتش بانيي، المعروف بتحقيقاته في علاقات مسؤولين مجريين بروسيا.
قال غولياس: “هذا ليس نشاطًا استقصائيًا. إذا قدمت بوعي رقم هاتف وزير مجري لدولة أجنبية حتى يتمكن من التنصت عليه، ثم أحصل على تسجيل للتنصت… هذا على الأقل تجسس.”
رد بانيي: “اتهام الصحفيين الاستقصائيين بالتجسس أمر غير مسبوق في القرن الحادي والعشرين بالنسبة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي. هذا نموذجي في روسيا بوتين.”
بعد شهر، في 28 نيسان 2026، رفض مكتب التحقيق الوطني البلاغات. لم يجد فيها ما يدعم الاشتباه.
ما لا نعرفه
لا نعرف من قدم البلاغات بالضبط. هل كانوا أفرادًا، أم جهة رسمية؟ لا نعرف ما إذا كانت الحكومة توقعت الرفض أم لا. لا نعرف ما إذا كان بانيي سيواجه إجراءات أخرى. رفض البلاغ لا يعني إغلاق الملف نهائيًا في المجر.
رأيي
رفض البلاغات لا يبرئ بانيي تمامًا، لكنه يعني أن من اتهمه لم يقدم ما يكفي. وهذا بحد ذاته مهم. في المجر، كما في روسيا، تهمة التجسس أصبحت سلاحًا سياسيًا. لكن الفرق أن المجر ما زالت عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني أن هناك مؤسسات قد توقف هذا الاستخدام. مؤقتًا على الأقل.
—
ما أعرفه، وما لا أعرفه


هذه الحالات الأربع لا تجمعها قصة واحدة. غيرشكوفيتش أُفرج عنه. سولداتوف حُكم عليه غيابيًا. دوبروخوتوف كان هدفًا، لا متهمًا. بانيي واجه بلاغات رُفضت. أي محاولة لاختزالها في “نمط موحد” ستكون كذبًا.
لكن هناك شيء واحد يجمعهما: جميعها تعتمد على اتهامات لا يستطيع أحد التحقق منها بشكل كامل. في روسيا، المحاكمات مغلقة. في بريطانيا، الوثائق جزئية. في المجر، البلاغات لم تنشر. الصحافة الاستقصائية تعيش على ما يمكن التحقق منه، وهذه القضايا تعيش على ما لا يمكن التحقق منه.
رأيي النهائي
لا أستطيع أن أقول إن كل الصحفيين المذكورين أبرياء. لا أعرف ذلك. لكنني أستطيع أن أقول إن الدول التي تتهمهم لم تقدم ما يكفي لإثبات اتهاماتها. وفي غياب الإثبات، يبقى الاتهام مجرد ادعاء. والمشكلة أن ادعاءً واحدًا قد يكفي لتدمير حياة صحفي.
هذا ليس نقصًا في التحقيق. هذا واقعه. التحقيق الاستقصائي لا يقدم الحقيقة المطلقة. يقدم ما يمكن إثباته، ويقول بصراحة ما لا يمكن إثباته. وما لا يمكن إثباته هنا أكثر مما يمكن.
—
المرصد الدولي لحرية الصحافة
تشرين الأول 2026




