المرصد الدولي لحرية الصحافة
جارٍ التحميل...

حين يُسكت الشاهد: تقرير عام 2024 عن جرائم القتل والاختفاء بحق صحفيي العال

حين يُسكت الشاهد: تقرير عام 2024 عن جرائم القتل والاختفاء بحق صحفيي العالم

 

 

الصحافة في 2024: عام لم يتوقف فيه نزيف الحقيقة

 

بقلم: محمد ضياء الدين بديوي، رئيس الأمناء

 

لا أستطيع أن أصف هذا التقرير بأنه مجرد ورقة إحصائية جافة. أنا أكتب هذه الكلمات بعد أن استوقفتني قهوة باردة على مكتب صحفي لم يعد، وكرسي يتجنب زملاؤه النظر إليه منذ أشهر. لم يكن عام 2024 عامًا عاديًا في سجل الصحافة العالمية، بل كان عامًا ثقيلًا بالدماء والغياب والانتظار.

 

في مناطق النزاع، حمل صحفيون كاميراتهم وهم يدركون في أعماقهم أن العودة إلى منازلهم ليست أمرًا مضمونًا. وفي بلدان أخرى، انتهى بهم المطاف خلف القضبان بسبب تقرير نشروه، أو حقيقة كشفوها، أو سؤال طرحوه. بينما ما تزال عائلات كثيرة حول العالم تستيقظ كل صباح على الأمل نفسه: أن يصل اتصال هاتفي، أو رسالة، أو أي خبر يكشف مصير ابن أو أب أو زوج اختفى أثناء أداء عمله.

 

خلال عام 2024، لم تخسر الصحافة العالمية عشرات العاملين فيها فحسب، بل خسرت شهودًا على الحقيقة. فكل صحفي سقط كان يحمل قصة لم تكتمل، وكل صحفي اختفى ترك وراءه مقعدًا فارغًا في غرفة الأخبار، وعائلة معلقة بين الأمل والخوف. يأتي هذا التقرير في وقت تشهد فيه حرية الصحافة تراجعًا مقلقًا، في ظل استمرار جرائم القتل والاحتجاز التعسفي والاختطاف والإخفاء القسري، وسط مستويات مرتفعة من الإفلات من العقاب.

 

حين تتحول الحقيقة إلى هدف

 

يكشف الرصد السنوي أن الصحفيين باتوا من أكثر الفئات المدنية عرضة للخطر. ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمتابعة الحروب عبر شاشات التلفزة، هناك صحفيون يقفون في قلب الحدث، بين الركام أو عند خطوط التماس، أو أمام السجون والمحاكم، لينقلوا إلى الناس ما يجري. لكن ما حدث خلال عام 2024 يبعث برسالة مقلقة: نقل الحقيقة أصبح في كثير من الأماكن سببًا كافيًا للقتل أو الاعتقال أو الاختفاء.

 

دماء على الورق: الصحفيون القتلى

 

وثقت المعطيات المتاحة مقتل 54 صحفيًا خلال عام 2024، من بينهم 31 صحفيًا لقوا حتفهم في مناطق النزاع المسلح. هذه الأرقام لا تعكس حجم الخسارة المهنية فحسب، بل تعكس أيضًا حجم الخسارة الإنسانية. فخلف كل اسم يوجد بيت فقد أحد أركانه، وأسرة تنتظر من لن يعود.

 

حدثتني والدة أحد الصحفيين الذين قُتلوا أثناء تغطية ميدانية، وقالت لي بصوت مبحوح: «كان يعرف أن الطريق خطير، لكنه كان يقول إن الناس يجب أن تعرف الحقيقة. خرج إلى عمله ولم يعد.» هذه الجملة البسيطة تلخص حال كثير من العائلات التي دفعت الثمن.

 

غزة: المكان الذي دفع فيه الصحفيون أثماناً استثنائية

 

ظل قطاع غزة خلال عام 2024 أخطر مكان على حياة الصحفيين في العالم. ففي الوقت الذي كانت فيه عدسات الكاميرات تنقل مشاهد الحرب والدمار، كان الصحفيون أنفسهم جزءًا من المأساة. بعضهم فقد منزله، وبعضهم فقد أفرادًا من أسرته، فيما أكمل آخرون عملهم تحت القصف حتى لحظاتهم الأخيرة.

 

تشير المعطيات إلى مقتل أكثر من 145 صحفيًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من بينهم 35 صحفيًا على الأقل قُتلوا أو استُهدفوا أثناء أداء مهامهم الإعلامية. ولم تعد القضية هنا مجرد أرقام أو إحصاءات، بل أصبحت واحدة من أكبر المآسي التي شهدها الوسط الإعلامي الدولي خلال السنوات الأخيرة.

 

السجون… حيث تُدفن الأقلام


إذا كانت الحروب تحرم الصحفيين من حياتهم، فإن السجون تحرمهم من حريتهم. فقد بلغ عدد الصحفيين المحتجزين حول العالم خلال عام 2024 نحو 550 صحفيًا، في زيادة تعكس اتساع نطاق القيود المفروضة على العمل الإعلامي المستقل.

وفي كثير من الحالات، لم يكن سبب الاحتجاز سوى ممارسة مهنية مشروعة، أو نشر معلومات ذات مصلحة عامة. لم يحمل هؤلاء سلاحًا، ولم يدعوا إلى العنف. كل ما فعلوه أنهم كتبوا ما رأوه. عبارة واحدة تلخص واقع عشرات الصحفيين الذين تحولت أقلامهم وتقاريرهم إلى مبررات للاعتقال.

 

الرهائن… السنوات التي لا تنتهي

 

لا يزال 55 صحفيًا في عداد الرهائن حول العالم. وتظل سوريا من أكثر الدول التي تتركز فيها هذه الحالات، حيث مضى على اختطاف عدد من الصحفيين أكثر من عقد كامل دون معرفة مصيرهم.

 

وربما لا يوجد ما هو أقسى على العائلات من الغياب المفتوح. فلا شهادة وفاة تُنهي الانتظار ولا خبر حياة يبعث الطمأنينة.

قالت لي زوجة أحد الصحفيين المفقودين: «لسنا بحاجة إلى معجزة، نحتاج فقط إلى معرفة الحقيقة.» في هذه الجملة القصيرة، تختصر معاناة آلاف الأيام من الانتظار والصمت.

 

المفقودون والإخفاء القسري… بين الاحتمالات

 

حتى نهاية عام 2024، ما يزال نحو 100 صحفي في عداد المفقودين في 34 دولة حول العالم. وتشير البيانات إلى أن 45% منهم يُعتقد أنهم ضحايا لعمليات إخفاء قسري.

ولا يمثل الإخفاء القسري اعتداءً على الصحفي وحده، بل اعتداءً مستمرًا على أسرته أيضًا. فالعائلة هنا لا تفقد شخصًا تعرف مصيره، بل تعيش سنوات طويلة معلقة بين الاحتمالات. ولهذا تبقى جريمة الإخفاء القسري من أكثر الجرائم قسوةً وترويعًا.

 

الحقيقة تستحق الدفاع عنها

 

تكشف حصيلة عام 2024 أن الصحافة ما تزال تدفع ثمنًا باهظًا في أنحاء كثيرة من العالم. بين صحفي قُتل وهو يوثق حربًا، وآخر يقبع في زنزانة بسبب رأيه، وثالث لم تعرف عائلته عنه شيئًا منذ سنوات، تتكرر الحكاية ذاتها: الحقيقة ما زالت هدفًا للانتهاك.

 

وفي الوقت الذي تُطوى فيه صفحات هذا العام، تبقى أسماء الضحايا أكبر من أن تتحول إلى أرقام في جداول وإحصاءات. فلكل اسم قصة، ولكل قصة عائلة، ولكل عائلة انتظارها الخاص.

 

إن حماية الصحفيين ليست دفاعًا عن مهنة بعينها، بل دفاع عن أحد أهم الحقوق الإنسانية: الحق في معرفة الحقيقة. فحين يُقتل الصحفي، يُستهدف الشاهد. وحين يُسكت الشاهد، تصبح الحقيقة نفسها في خطر.

 

المراجع

 

1. منظمة مراسلون بلا حدود (RSF)، التقرير السنوي لحصيلة الصحفيين القتلى والمحتجزين والرهائن والمفقودين في العالم لعام 2024.

2. بارومتر مراسلون بلا حدود لرصد الانتهاكات ضد الصحفيين حول العالم.

3. بيانات مراسلون بلا حدود الخاصة بالصحفيين القتلى في فلسطين وقطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

4. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948).

5. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966).

6. اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية المتعلقة بحماية المدنيين والصحفيين أثناء النزاعات المسلحة.

7. الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006).

8. قرار مجلس الأمن رقم 2222 بشأن حماية الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام أثناء النزاعات المسلحة.

 

—

 

محمد ضياء الدين بديوي

رئيس الأمناء

📢 شارك هذا المنشور:

الزوار
71اليوم
454أمس
2٬123هذا الأسبوع
4٬200هذا الشهر
4٬202الإجمالي
تواصل معنا
تواصل معنا