
اليمن صحافة تحت النار وضحايا بلا حساب
تقرير خاص يوثّق تصاعد الانتهاكات ضد الصحفيين اليمنيين بين 2024 و2026، بين اغتيال واعتقال وإخفاء قسري، مع أسماء الضحايا وتوزيع المسؤولية بين أطراف النزاع.
المرصد الدولي لحرية الصحافة يدين استمرار استهداف الصحفيين في اليمن
لم يعد الحديث عن حرية الصحافة في اليمن ترفا نظريا. ففي بلد أنهكته الحرب أصبح الصحفي هدفا مباشرا لا شاهدا على الواقع فحسب. يقتل لأنه ينقل ما يحدث، ويسجن لأنه يكتب، ويخفى لأنه يرفض الصمت. هذا ما تقوله الوقائع الميدانية، وهذا ما يدفع المرصد الدولي لحرية الصحافة إلى إصدار هذا البيان.
بحسب ما وثقته نقابة الصحفيين اليمنيين، شهد عام 2024 ما لا يقل عن 101 انتهاك بحق الصحفيين والصحفيات تنوعت بين اعتقالات تعسفية وتهديدات مباشرة ومحاكمات مسيسة واعتداءات جسدية. وفي عام 2025 تشير التقديرات إلى أن العدد ارتفع إلى ما بين 127 و167 حالة شملت جرائم قتل واغتيال واعتقالات واسعة. أما النصف الأول من عام 2026 فقد سجل مرصد الحريات الإعلامية 42 انتهاكا جديدا إضافة إلى 19 حالة عنف رقمي استهدفت صحفيين وصحفيات.
خلال هذه الفترة برزت حالات مؤلمة لا يمكن تجاوزها. الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتي العربية والحدث، اغتيل في 24 يونيو 2026 في محافظة حضرموت إثر انفجار عبوة ناسفة. والصحفي صادق شلي، مدير المركز الإعلامي للمقاومة الوطنية، اعتقلته جماعة الحوثي في سبتمبر 2026 ولا يزال مصيره مجهولا حتى اللحظة. وإلى جانبهما ما لا يقل عن عشرة صحفيين يقبعون في السجون، معظمهم لدى الحوثيين، في ظروف احتجاز قاسية وحرمان من العلاج. أما الصحفيات اليمنيات فقد واجهن تهديدات متصاعدة وملاحقات وعنفا رقميا ممنهجا ما فرض قيودا إضافية على عملهن.
وفي قراءة أولية لتوزيع المسؤولية، يتحمل الحوثيون نحو 44 في المئة من الانتهاكات، خصوصا في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتهم. وتتحمل الحكومة الشرعية حوالي 30 في المئة من الانتهاكات، لا سيما في حضرموت وتعز ومأرب. أما بقية الانتهاكات في عدن وبعض المحافظات الجنوبية فينسب إلى المجلس الانتقالي الجنوبي. هذه النسب رغم دقتها الظاهرية تبقى بحاجة إلى تدقيق مستقل، لأن بيئة النزاع تجعل التحقق الكامل أمرا بالغ الصعوبة.
ما يجري في اليمن هو حرب مفتوحة على الحقيقة. يقتل الصحفي لأنه ينقل الواقع، ويسجن لأنه يكتب، ويخفى لأنه يفضح. وإفلات الجناة من العقاب وغياب المساءلة القانونية يجعلان من اليمن واحدة من أخطر البيئات في العالم لممارسة الصحافة. هذا ليس رأيا، بل خلاصة تقارير متعددة.
ويطالب المرصد الدولي لحرية الصحافة بما يلي:
أولا: الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين المعتقلين بسبب عملهم الإعلامي.
ثانيا: توفير حماية عاجلة للصحفيين والصحفيات عبر آليات دولية تضمن سلامتهم الجسدية والرقمية والقانونية.
ثالثا: فتح تحقيق دولي شفاف في جرائم قتل واغتيال الصحفيين، ومحاسبة المسؤولين عنها، وعدم ترك الدم اليمني عرضة للنسيان.
رابعا: ممارسة ضغط أممي وأوروبي حقيقي على جميع الأطراف لإلزامها باحترام حرية الصحافة ووقف استهداف الإعلاميين.
الصحفي اليمني اليوم يقف في مواجهة الموت والاعتقال والتهديد، لكنه يظل شاهدا على الحقيقة وضميرا للشعب. والمرصد يؤكد أن الصمت الدولي على هذه الجرائم ليس حيادا بل مشاركة فيها. حماية الصحفيين ليست خيارا يمكن تأجيله، بل واجب إنساني وأخلاقي.
الصحافة في اليمن ليست ضحية بل هي سلاح الحق. وستبقى الكلمة أقوى من الرصاصة، والعدسة أصدق من دبابات الحرب.




