المرصد الدولي لحرية الصحافة
جارٍ التحميل...

حين تُغتال الحقيقة في مهدها: الصحفيات بين رصاص الميدان وسُمّ الشاشات

تقرير خاص يستعرض الاستهداف الممنهج للصحفيات حول العالم، من رصاص جلال آباد إلى العنف الرقمي وسمّ الشاشات، مع أرقام موثقة ووجوه دفع أصحابها الثمن غاليًا.

بسم الحرية التي لا تُقهر، وباسم الكلمة التي لا تُغتال…

لم تكن ملاله ميوند تحمل سلاحاً، ولم تكن تُعدّ تقريراً استقصائياً عن فسادٍ أو نفوذ. كانت فقط… تذهب إلى عملها. في صباح أحد أيام ديسمبر، اخترقت رصاصاتٌ مجهولة زجاج سيارتها في مدينة جلال آباد شرقي أفغانستان، فسقطت هي وسائقها محمد طاهر غارقَين في دمائهما، قبل أن يبلغا مكتب القناة التي يعملان فيها. ملاله، التي لم تكن قد تجاوزت العشرينيات من عمرها، كانت تعمل مذيعةً في قناة “إنكاس تي في” المحلية، وتنحدر من عائلةٍ دفعت الثمن مرتين: فوالدتها، الناشطة في مجال حقوق المرأة، سبق أن اختُطفت من قبل مجهولين قبل خمس سنوات، ولم يُعرف مصيرها.

لكن ملاله لم تكن سوى الحلقة الأولى في سلسلةٍ دموية تلتهم الصحفيات الأفغانيات.


جلال آباد: حين تُقتل ثلاث فتيات لأنهّن “فقط” يذهبن إلى العمل

بعد أشهرٍ قليلة، وتحديداً في الثاني من مارس 2021، اهتزّت جلال آباد مجدداً. ثلاث شابات، أعمارهنّ بين الثامنة عشرة والعشرين، كنّ يعملن في قسم الدبلجة في القناة ذاتها، خرجن من عملهنّ بعد يومٍ روتيني، ليصبحن هدفاً لرصاصٍ لا يرحم.

مورسال واهيدي، وساديا سادات، وشهناز روافي… ثلاثة أسماء لثلاث فتيات لم يحملن سوى حلم بسيط: أن يعملن في الإعلام. لكن مسلحين مجهولين اعترضوا طريقهنّ في أزقة جلال آباد، وأطلقوا النار عليهنّ في الرأس. فتُوفّيت اثنتان على الفور، فيما نُقلت الثالثة وهي تصارع الموت. وفي الوقت الذي كانت فيه إحداهنّ تسقط، كانت الأخرى تُقتل في موقع آخر من المدينة ذاتها، في هجومين منفصلين خلال دقائقَ معدودة.

لم يكنّ يحققنّ في فساد، ولم يكنّ يهددنّ أصحاب نفوذ. كنّ فقط… يعملن. ومع ذلك، قررت أيادٍ غامضة أن مصيرهنّ الموت. والمفارقة الأكثر إيلاماً: القناة نفسها، “إنكاس تي في”، كانت قد أبلغت الأجهزة الأمنية مسبقاً بوجود تهديدات ضد موظفيها، لكن أحداً لم يتحرك. وقبل هؤلاء الضحايا، كانت ملاله ميوند قد سبقتهم إلى الشهادة في الهجوم نفسه الذي استهدف القناة ذاتها.


أرقام لا تكذب: صحافة المتاعب… مضاعفة

لم يكن هؤلاء الضحايا استثناءً، بل فصولاً في سلسلة استهداف ممنهج. تقارير منظمة “مراسلون بلا حدود” تكشف أن عام 2020 شهد مقتل ما لا يقل عن خمسين صحفياً حول العالم، وأن ما يقارب 84% من هذه الجرائم كانت عمليات قتلٍ متعمّدة ومقصودة، لا حوادث عابرة.

لكن عندما تكون الضحية امرأة، تصبح القصة أكثر قتامة. فالصحفيات لا يواجهنّ فقط رصاص الميدان، بل يواجهنّ أيضاً هجوماً مزدوجاً: من السلطة، ومن المجتمع، ومن حتى أولئك الذين يفترض أن يكونوا زملاء مهنة.


العنف الرقمي: جبهة لا تُرى ولا ترحم

لم يعد العنف ضد الصحفيات يقتصر على الميدان. الفضاء الافتراضي تحوّل إلى ساحة قتلٍ صامتة. تقرير صادم لمنظمة اليونسكو والمركز الدولي للصحفيين، صدر في 2020، كشف أن 73% من الصحفيات المستجوبات تعرّضن للعنف الرقمي أثناء أداء عملهنّ. و25% تلقّين تهديدات بالعنف الجسدي، و18% تلقّين تهديدات باغتصابهنّ.

لكن الفارق الحقيقي ليس في الأرقام… بل في النوع. العنف الرقمي ضد الصحفيات ليس مجرد شتائم عابرة على منصات التواصل، بل هو حملات منظمة، مُنظّمة، ومُدعّمة أحياناً بتمويلٍ سياسي. فما نسبته 41% من الصحفيات أفادن بأنّ الهجمات الإلكترونية التي تعرّضن لها بدت مرتبطة بحملات تضليل منظمة.


الوجوه التي تدفع الثمن كل يوم

خلف الأرقام، وجوهٌ حقيقية. جيفارا البديري، مراسلة قناة الجزيرة، لم تكن تفعل سوى عملها في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، عندما هاجمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بالضرب، ثم اعتقلتها لساعاتٍ قبل أن تُفرج عنها.

في البرازيل، الصحفية باتريشيا كامبوس ميلو نشرت سلسلة تقارير استقصائية حول الرئيس السابق جايير بولسونارو. الرد لم يتأخر: حملات تشويه، تهديدات، وأخيراً إهانات جنسية علنية من أعلى سلطة في البلاد، ما دفع محكمة برازيلية إلى إلزام بولسونارو بدفع تعويضات لها.

وفي تجربة أخرى، روت الصحفية آن هيلين بيترسن كيف تلقت تهديدات “بالقتل البطيء”، وهي تهديدات لا تقتلك مرة واحدة، بل تجعلك تعيش في رعبٍ يومي، تتساءل في كل صباح: هل سأعود إلى بيتي الليلة؟


ماذا يحدث حين يقتل العنف الصحفية؟

العنف لا يقتل الضحية فقط، بل يقتل الحقيقة معها. دراسة اليونسكو–ICFJ كشفت أن 30% من الصحفيات اضطررنّ إلى ممارسة الرقابة الذاتية نتيجة للعنف الذي تعرّضن له، وأن 26% أفدن بوجود تأثيرات مباشرة على صحتهنّ النفسية.

والنكبة الكبرى أن هذا الخوف لا يبقى في دائرة الضحية، بل ينسحب على كل امرأة تفكّر في دخول المهنة. كل فتاةٍ تحلم بأن تكون صحفية تنظر إلى مصير ملاله ميوند، أو إلى مصير الشابات الثلاث في جلال آباد، وتسأل نفسها: هل يستحق هذا الحلم كل هذا الثمن؟


كلمة المرصد الدولي لحرية الصحافة

إنّ ما تتعرض له الصحفيات حول العالم ليس مجرد انتهاك فردي، بل هو جريمة ضد حرية التعبير وضد حق المجتمع في المعرفة. المرصد الدولي لحرية الصحافة يضع هذه الحقائق أمام الرأي العام الدولي، ويؤكد أن الصمت على هذه الجرائم هو مشاركة فيها.

الصحفية ليست هدفاً، والكلمة ليست جريمة. إنّ الدفاع عن الصحفيات هو دفاع عن الحرية ذاتها، وعن حق الإنسانية في أن تسمع الحقيقة بلا خوف ولا قمع.


المرصد الدولي لحرية الصحافة
صوت الحقيقة… حيث يُحاصر الصمت

📢 شارك هذا المنشور:

الزوار
70اليوم
454أمس
2٬122هذا الأسبوع
4٬199هذا الشهر
4٬201الإجمالي
تواصل معنا
تواصل معنا